بات الإنجليزي جود بيلينجهام لاعب خط وسط ريال مدريد، القوة الدافعة وراء نجاح كتيبة الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب الميرينجي، كما أن الفريق يصبح أضعف بكثير في غيابه.
ويغيب بيلينجهام عن مواجهة ديربي مدريد التي تجمع الريال وأتلتيكو، اليوم الثلاثاء، ضمن منافسات دور ال16 لمنافسات دوري أبطال أوروبا، على ملعب سانتياجو برنابيو.
لذلك، يصبح من الضروري تحليل تأثير غياب بيلينجهام عن ريال مدريد، ليكسر ما تم افتراضه لفترة من الوقت، أن وجود فينيسيوس جونيور وكيليان مبابي يمنح الملكي كل ما يحتاجه لاكتساح الخصوم.
واتضح مع بيلينجهام أن كرة القدم أكثر تعقيدًا من ذلك، فعلى مدار الأشهر الماضية تمكن الميرينجي من التعامل مع غياب فينيسيوس، وتمكن من التأقلم مع إصابة رودريجو، بل وحتى الاعتماد على أكاديميته لسد الثغرات في الدفاع.
لكن، ما لا يمكنهم فعله هو معرفة كيفية الفوز عندما لا يكون بيلينجهام في الملعب. ومع إيقافه مرة أخرى في ذهاب دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا أمام أتلتيكو مدريد – هذه المرة بسبب تراكم البطاقات الصفراء وليس بسبب الإساءة إلى حكم – يجب عليهم كسر هذه السلسلة.
الأجواء ليست على ما يرام
عند تحليل نتائج ريال مدريد خلال فترة إيقاف بيلينجهام في الليجا، لا تبدو الأرقام سيئة للغاية. فبدونه، فاز الملكي على جيرونا في ملعبه، قبل أن يتعرض لهزيمة أمام بيتيس جعلته متأخرًا بثلاث نقاط عن برشلونة في سباق اللقب.
وبينما قد لا تكون تلك الخسارة حاسمة في سباق الدوري، إلا أن أداء الميرينجي في تلك المباراة، وكذلك في الفوز الذي سبقها، يشكل مصدر قلق لأنشيلوتي. نادرًا ما يُهزم ريال مدريد بهذه الطريقة كما حدث يوم السبت.
في الشوط الثاني من مباراة بيتيس، بدا أن الملكي يراقب فقط بينما كان إيسكو يُحرك خيوط اللعب لصالح الفريق المضيف. لم يكن هناك ضغط على الكرة، بل ظهر الفريق وكأنه غير مهتم حتى عندما كانت الكرة مع المنافس. لم يكن هذا تكتيك دفاعي منخفض الكثافة، بقدر ما كان لامبالاة عامة دون أي روح قتالية.
هذا ما يفتقده ريال مدريد عندما لا يكون بيلينجهام موجودًا. لفترة من الوقت، كان يُنظر إلى خريج أكاديمية برمنجهام سيتي على أنه لاعب وسط إنجليزي تقليدي. المقارنات مع ستيفن جيرارد كانت سهلة لكنها غير دقيقة إلى حد ما (في الحقيقة، هو أقرب إلى زين الدين زيدان من جيرارد)، لكنه يملك ذلك النوع من القيادة.
بيلينجهام يركض، يصرخ، ويتدخل بقوة أكبر من اللازم لكنه ينجو من العقوبة. هناك هيبة لطريقة لعبه بالكرة، وحدّة واضحة عندما يكون بدونها.
ما الذي يفتقده الميرينجي؟
لا يملك ريال مدريد لاعبًا آخر مثل بيلينجهام في تشكيلته. قد يرتدي لوكا مودريتش شارة القيادة، لكنه ليس قائدًا بنفس الأسلوب. في هذه الأيام، يتحرك في الملعب بحثًا عن الزوايا المناسبة والتمريرات القاتلة. أما عمله بدون الكرة، فهو يركز أكثر على كيفية توفير طاقته حتى يستعيدها مجددًا.
لا يمكن لوم فيدريكو فالفيردي على قلة الجهد، لكنه يفتقر إلى الإبداع الذي يتمتع بها بيلينجهام، حيث إن اللاعب الأوروجواياني مجتهد ومنضبط تكتيكيًا، يتبع التعليمات لكنه نادرًا ما يخرج عنها.
في المقابل، داني سيبايوس يتحرك يمينًا ويسارًا لكنه يخطئ في توقيت تدخلاته، بينما يبرع أوريلين تشواميني وإدواردو كامافينجا في الأدوار الدفاعية وكسر الهجمات.
وأوضح أنشيلوتي تأثير بيلينجهام في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما، قال: “نحن راضون عن عمله، أنا سعيد جدًا. إنه يعمل كثيرًا، حاضر دائمًا، ينافس، يقاتل، ويضحي بنفسه”. من دون بيلينجهام، يبدو ريال مدريد ببساطة فريقًا أضعف.
التدقيق الدفاعي
بشكل عام قد يكون بيلينجهام لاعب وسط هجومي، يُعرف بمساهماته في الثلث الأخير من الملعب، لكن أرقامه الدفاعية غير المقدّرة بشكل كافٍ تُظهر مستوى عالمي.
ووفقًا للإحصائيات، يحتل جود المركز الـ 92 بين لاعبي الوسط الهجومي في التدخلات، والـ 94 في الاعتراضات، والـ 91 في التصديات، إذ يفوز بالكرات الهوائية، ويقطع التمريرات، ويبعد الكرة بمعدلات أعلى من المتوسط.
وهناك ما يُعرف بـ”اختبار العين”، حيث يمكن رؤية بيلينجهام بانتظام يركض لمسافة 30 ياردة لمطاردة كرة مفقودة، أو يقوم بتدخل قوي، أو يصرخ في وجه خصم بعد اعتراض تمريرة وإخراجها، أو الفوز برمية تماس، فهناك نوع نادر من الإلهام الدفاعي الذي يمتلكه بعض لاعبي الوسط يتواجد في بيلينجهام بوفرة.
ويبدو أنه ينقل هذه الروح لزملائه أيضًا، حيث كانت الصورة الأبرز لإحباط الريال في بداية الموسم خلال خسارتهم في دوري الأبطال أمام ليل. كان الفريق متأخرًا في الشوط الثاني، ولم يظهر على فينيسيوس ولا مبابي أي اهتمام، إذ كان كلاهما يسير ببطء أثناء امتلاك الخصم للكرة.
عندها، استدار بيلينجهام من وسط الملعب وصرخ عليهما، ورغم أنه لم يتمكن من قلب النتيجة، ورغم صعوبة اختزال موسم كامل في صرخة واحدة، إلا أن مبابي وفينيسيوس لم يُشاهدوا يتجولون بلا مبالاة مرة أخرى.
تزايد التأثير الهجومي
على الجانب الهجومي، كان هناك بعض التساؤلات في بداية موسم 2024-2025 حول سبب تراجع معدلات تسجيل بيلينجهام، حيث إنه كان يسير قبل عام نحو تسجيل 40 هدفًا في موسمه الأول مع ريال مدريد (أنهى الموسم بـ 23 هدفًا في جميع المسابقات، وهو رقم جيد للغاية).
وكانت هناك عدة أسباب لهذا التراجع، إذ لعب في مركز أعمق بينما لم يكن ريال مدريد يقدم أداءً متكاملاً كفريق. لكن السبب الأبرز كان أن الفريق لم يعد بحاجة لهدّاف إضافي، فينيسيوس ومبابي كانا يتحملان الجزء الأكبر من العمل الهجومي، لدرجة أن رودريجو، رغم مستواه النخبوي، بالكاد وجد نصيبه من الأهداف، فما بالك ببيلينجهام؟
بالطبع، رد الإنجليزي على هذه المخاوف المبكرة باستعادة حسّه التهديفي، حيث سجل حتى الآن 12 هدفًا في جميع المسابقات مع النادي والمنتخب هذا الموسم. لكن الأهم بالنسبة لهذا الفريق المدريدي أنه بدأ يُظهر جانبه الإبداعي بشكل أكبر.
في الموسم الماضي، طغى تألقه التهديفي على مساهماته التمريرية، رغم أنه صنع 17 هدفًا مع ريال مدريد وإنجلترا. الآن، يسير على خطى تحطيم هذا الرقم، حيث قدّم حتى الآن 14 تمريرة حاسمة، ومع تبقي عدد كبير من المباريات، يجب أن يستهدف الوصول إلى 20 تمريرة على الأقل.
أفضل مثال على تأثير بيلينجهام جاء في المباراة الوحيدة التي لعبها خلال آخر 4 مواجهات، نظرًا لإيقافه في الليجا ودوري الأبطال: ذهاب نصف نهائي كأس الملك ضد ريال سوسيداد.
في بداية اللقاء، كان الميرينجي يعاني في مجريات اللعب لكنه صمد دفاعيًا، ثم جاءت لحظة الحسم: التقط بيلينجهام الكرة في نصف ملعبه، استدار بقدمه اليسرى، ومن دون حتى أن يرفع رأسه، أرسل تمريرة طولية مذهلة بطول 60 ياردة نحو إندريك الذي لمس الكرة أولًا للتحكم بها، ثم سجل بلمسته الثانية. وكان ذلك كافيًا لفوز مدريد 1-0، وهذا بالضبط ما يفتقده الفريق عندما يغيب لاعب الوسط الإنجليزي.
الغياب أمام أتلتيكو
وبالوصول إلى دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا، دائمًا ما يكون ديربي مدريد مناسبة كبرى، لكن مواجهات ريال وأتلتيكو في أوروبا تأخذ الأمر إلى مستوى آخر.
نهائي 2014 – الذي شهد رأسية سيرجيو راموس الشهيرة – كان من أكثر اللحظات الدرامية في كرة القدم خلال الـ 15 عامًا الماضية، وأطلق سلسلة من 4 مواجهات متتالية بين الفريقين في دوري الأبطال، حيث كان الفوز دائمًا من نصيب ريال مدريد. لكن هذا الأتلتيكو، الذي لا يزال ينافس على ثلاثية، تمكن بالفعل من فرض التعادل 1-1 مرتين على فريق أنشيلوتي هذا الموسم.
هذا النوع من المباريات الذي يبرز فيه بيلينجهام، حتى لو لم يكن سجله أمام دييجو سيميوني لافتًا. تعرض لانتقادات كبيرة في أول مباراتين له ضد أتلتيكو، وفي أربعة ديربيات الموسم الماضي، لم يسجل أي هدف واكتفى بصناعة هدف واحد. إحصائيًا، يعد أتلتيكو مدريد أصعب خصم محلي له.
لكن رغم قلة إنتاجه الهجومي في هذه المباريات، إلا أن هذا النوع من المواجهات هو الذي يحتاج إلى شراسته الدفاعية. بيلينجهام يهوى المعارك البدنية أكثر من أي لاعب آخر في ريال مدريد حاليًا، وإذا كان لقاء ريال بيتيس مثالًا، فإن بقية خط وسط ريال مدريد بدأ يبدو مرهقًا بدونه.
كيف سيعوض ريال مدريد غياب نجمه الملهم يوم الثلاثاء سيكون مفتاح النتيجة. اللعب في سانتياجو برنابيو سيكون عاملًا مساعدًا بلا شك – بالنظر إلى الهالة الخاصة لهذا الملعب في الليالي الأوروبية. لكن مع غياب قائده في وسط الميدان، قد يكون سحر ريال مدريد المعتاد في دوري الأبطال معرضًا للخطر.